terça-feira, 12 de julho de 2011

العمل والعمال وأصحاب المال في الشريعة الإسلامية

العمل والعمال وأصحاب المال في الشريعة الإسلامية
** محمد عبد المنعم خفاجي

للعامل مكانة كبيرة في الأمة؛ فهو دعامة الإنتاج وعنصر من عناصر النشاط الاقتصادي واليد المحركة لمرافق الدولة.
وقديما نشأ كثير من الأنبياء في بيئة الأعمال، وتدرج الله بهم من حياة العمال إلى حياة النبوة والرسالة؛ فموسى -صلوات الله عليه- قضى ثماني حجج أو عشرا عاملا في مال شعيب، وداود كان يعمل ويأكل من عمل يده، فكان يقوم بصناعة الدروع ويعيش على ما يكسبه من هذه الصناعة، ومحمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى صدر شبابه وطرفا من أيام رجولته عاملا في مال خديجة سيدة قريش ثروة وجاهًا، وقد عُنِيت الأديان القديمة والقوانين الحديثة بتشريعات العمل وقوانين العمال.
وفي الشريعة الإسلامية عناية بالعامل وحقوقه، وتتجلى هذه العناية بوضوح في كثير من مسائل التشريع الإسلامي، والأصول العامة التي تهدف إليها الشريعة الإسلامية في هذا الباب يمكننا أن نلخصها فيما يلي:
أولاً: حفظ كرامة العامل وإنسانيته وشخصيته في الحياة؛ فالعمل ليس ذلا وهوانا، بل هو وسيلة الحياة الشريفة لكثير من أفراد الأمة، وهو ركن الحياة الاقتصادية؛ لذلك كان من الحتم أن يُقَدِّر أصحاب الأموال شخصية العامل وكرامته وإرادته ويحافظوا عليها، لا أن يضعوه موضع الذليل المسخر أو العبد المهان، وفي مبادئ الإسلام نصوص كثيرة تؤيد هذا، وكان كثير من العمال يشترطون على صاحب العمل ذلك، كما يروى أن قوما ضلوا الطريق فاستأجروا أعرابيا ليدلهم عليه، فقال: "إني والله لا أخرج معكم حتى أشترط لنفسي!" قالوا: "فماذا تشترط لنفسك؟" قال: "يدي مع أيديكم في كل ما تتناولون وتعملون، وذكر والدي عليكم محرم".
ثانيًا: تقدير مجهود العامل تقديرا قائما على الإنصاف وعلى الحدَب عليه؛ فلا يجوز في نظر الشريعة الإسلامية التي توجب معونة العامل أن ينتهز أصحاب الأعمال فرصة حاجته الشديدة إلى العمل فيبخسوه حقه ويغبِنوه في تقدير أجره الذي يستحقه نظير عمله، ولا بد أن يكون ضامنا لنتيجة مجهوده وكَدِّه؛ ولذلك منعت كثيرا من المعاملات التي لا يتحقق فيها ضمان العامل لأجره عند عقد العمل؛ وهذا هو علة منع جواز إعطاء الأرض للعامل يزرعها على أن يكون أجره مما يخرج منها؛ لجواز أن لا تُخرِج الأرض محصولا، وإن كان كثير من الشرعيين الإسلاميين أجازوه؛ لما فيه من تبادل المنفعة بين الناس وللثقة الغالبة بإعطاء الأرض ثمراتها، كما لا يجوز أن تكون أجرة العامل في عقد العمل مجهولة القدر، بل لا بد أن تكون معلومة معينة ليعمل العامل على أساس واضح، وليرفع عنه الحَيْف، وفي الحديث: "من استأجر أجيرا فليُعْلِمه أجره".
وتحث الشريعة الإسلامية دائما أصحاب الأموال على ترك الطمع في أجرة العمال وعلى أدائها لهم كاملة، وتَعِدُهم بذلك خير الدنيا والآخرة، وفي الحديث عن رسول الله -صلوات الله عليه-: "أن ثلاثة أووا إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فدعوا الله بصالح أعمالهم فانفرجت الصخرة، فكان مما دعا به أحدهم أن قال: اللهم إني استأجرت عمالا فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمَّرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاء بعد حين فقال: يا عبد الله أدِّ إليّ أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فلم يترك منه شيئا".
وتلزم الأجرة بتمام العمل أو بشرط العامل دفعها قبل العمل بشرط التمكن من الحصول على المنفعة، أي العمل المقصود.
ثالثًا: عدم إرهاق العامل وإعناته في العمل، وفي الحديث الشريف: "ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم"، وقال شعيب لموسى -عليهما السلام- حين اتفقا على أن يعمل له موسى في ماله: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ}.
فإذا أدى تصرف أصحاب الأموال إلى إرهاق العامل إرهاقا يضر بصحته فللعامل حق فسخ العقد، وله أن يرفع الأمر إلى المسئولين لدفع هذا العنت، ورفع الأمر إلى أولي الأمر للتحكيم حين الخلاف، وإنصافُ من هو بحاجة ماسة إلى الإنصاف قاعدةٌ مقررة في شريعة الإسلام.
رابعًا: حرية العامل في العمل في الأعمال المالية أحيانا، فلا يجوز أن يحجر رب المال في حرية العمل على مَن وكل إليه استثمار ماله، فلا يصح أن يشترط عليه أن لا يتعامل إلا مع أناس معينين أو في مكان خاص؛ وذلك لأن المستثمر ما دام مأنوسا فيه الكفاية والمقدرة على الاستثمار فلا يصح أن تقيد مواهبه؛ لأن هذا التقييد يكون أحيانا عائقا دون غاية ما يريد من الحرية في الاستثمار، أو معطلا لمواهبه الاقتصادية في سبيل الربح.
خامسًا: دعوة الأغنياء الذين لا يقدرون على استثمار أموالهم إلى إعطائها للقادرين على ذلك ممن ليس لهم مال، بشرط أن يؤنس فيهم الأمانة وحسن التصرف والصدق والإخلاص قضاءٌ على مشاكل البطالة؛ ولذلك شرعت الشرعية الإسلامية تشريعات كثيرة من هذا القبيل كالمزارعة والمساقاة وسواهما.
سادسًا: العامل ليس ضامنا للمال إذا هلك في يده بدون تَعَدٍّ منه أو تقصير في حفظه، أما إذا هلك بتعديه فعليه الضمان وهو مسئول، فإذا شرط رب المال على العامل أن يكون ضامنا لرأس المال إذا هلك في يده بدون تعدٍّ أو تقصير فَسَدَ عقد العمل.
سابعًا: حق العامل في فسخ العقد: للعامل الحق في فسخ عقد العمل في أحوال كثيرة منها: أن يصيبه مرض يحول بينه وبين المضي في العمل، أو أن يكون وقتَ العقد صبيا مميِّزا ثم أدركه البلوغ، أو أن يشترط رب المال عليه ضمانه رأسَ المال إذا هلك في يده، أو أن يُخلّ رب المال بشرط من شروط عقد العمل، إلى غير ذلك من المبررات.
ثامنًا: العامل وحق التعويض: وللعامل الحق في أخذ تعويض من رب المال في بعض أحوال منها:
(أ) أن يتعدى عليه رب المال فيُتلف عضوا من أعضائه مثلا.
(ب) أو أن يكون العامل لم يبلغ سن البلوغ بعد، فإذا أصابه ضرر أو هلك أثناء عمله الذي استؤجر له فإن المستأجر يكون مسئولا عنه، فإذا قتل الصبي خطأ كأن وقعت عليه جدران المصنع الذي يعمل فيه فَدِيته على عاقلة رب المال، وعلى رب المال الأجر الذي كان يستحقه المقتول، وإذا أصيب بشيء من الضرر كان عليه التعويض، أما إذا كان العامل رجلا عند عقد العمل فليس له حق التعويض؛ لأنه مميز مسئول عن نفسه وقد قَبِلَ العمل بعد أن رآه وعرف تبعاته، وإن كان من الإحسان في المعاملة مساعدة رب المال له بأداء تعويض مناسب لما أصابه، ولولي الأمر أن يحكم بما يراه من ذلك التعويض، وللإحسان في المعاملة في الإسلام نصيب كبير.
تاسعًا: لا يصح لرب المال أن يعقد عملا مع صبي غير مميز ولا مع مجنون؛ لأنهما لا يعرفان التبعات ولا تلزمهما مسؤولية؛ حيث لم يدركا حد التمييز.
عاشرًا: ليس لرب المال أن يقصي العامل عن عمله إذا نقصت مقدرته على الإنتاج بمرض لحقه من جرَّاء العمل أو بسبب هرم أو شيخوخة لحقته بعد أن قضى شبابه وأوقات نشاطه الحيوي في العمل لرب المال.
والقاعدة العامة في ذلك أن الغُرْم على قدر الغُنْم، فإذا اتفق رب المال مع شاب على العمل فقضى مدة نشاطه معه ثم أثرت صحته أو شيخوخته على مقدرته في الإنتاج فليس لرب المال طرده من العمل، بل عليه أن يرضى بإنتاجه في الشيخوخة كما كان يرضى عن إنتاجه في الشباب.
ويرمِز إلى هذه القاعدة حديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معناه أن رجلا أرهق جملا في العمل فهرم فأراد أن يذبحه ليستريح من عبء مؤونته، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أكلت شبابه حتى إذا هرم أردت أن تنحره"، فتركه الرجل.
الحادي عشر: حق العامل في الراحة الأسبوعية: ففي الفقه الإسلامي: لو استأجر رجل يهوديًّا شهرا كاملا كانت أيام السبوت مستثناة من العمل. هذا هو الحكم والعامل يهودي، وكذلك إذا كان نصرانيا فله إجازته الأسبوعية -الأحد- فما بالك به لو كان مسلما؟!.
هذه هي حقوق العامل التي يقرها التشريع الإسلامي وينفذها، ولكن الواجب على العامل بعد ذلك كثير؛ فعليه الإخلاص في أداء العمل، وعدم الطمع في رب المال، والأمانة، والمحافظة على المال الذي يعمل فيه محافظته على ماله نفسه، وهو مطالب بأن يتعاون مع رب المال تعاونا فعالا مثمرا، إلى غير ذلك من الواجبات التي يُلزِمه بها التشريع الإسلامي.
الجود
سأل معاوية بن أبي سفيان صعصعة بن صوحان: ما الجود؟ فقال: التبرع بالمال، والعطية قبل السؤال.
وقال الحكماء: السخي من كان مسرورا ببذله، متبرعا بعطائه، لا يلتمس عَرَضَ دنيا فيحبط عمله، ولا طلب مكافأة فيسقط شكره، ويكون مثله فيما أعطى مثل الصائد الذي يلقي الحب للطائر، لا يريد نفعها ولكن نفعَ نفسه.
نظر المنذر بن أبي سَبْرة إلى أبي الأسود الدُّؤَلي وعليه قميص مرقوع، فقال له: ما أصبرَك على هذا القميص! فقال له: رُبَّ مملوك لا يستطاع فراقه، فبعث إليه بتخت من ثياب، فقال أبو الأسود:

وصايا في التعامل مع العمال والخدم

 
 
 
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
17/5/1426
جامع الإمام تركي بن عبد الله
ملخص الخطبة:
1- الحكمة من تفاوت العباد في الأرزاق. 2- منزلة العمل والكد في الشريعة الإسلامية. 3- ضوابط شرعية في التعامل مع العمال. 4- الوصية بالعمال والخدم. 5- التحذير من الخلوة بالخادمات. 6- أخطاء ومحاذير يقع فيها بعض مكاتب الاستقدام.


الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين
أما بعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حقّ التقوى.
عباد الله، من حِكمة الربّ جلّ وعلا [أن] فَاوت بين الخلق في أخلاقهم، في أرزاقهم، في قُدُرَاتهم، في غناهم، في فقرهم، في إيمانهم، في كفرهم، فسبحان الحكيم العليم فيما يَقْضِي ويُقَدِّر: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) [الدخان:38، 39]. فتفاوت العباد في هذه الدنيا دليل أوّلاً على كمال قدرة الربّ، وأنه القادر على كل شيء، ثم في هذا التفاوت مصالح عامّة للعباد، فلو أن الخلق كلهم على مستوى من الغنى أو مستوى من الفقر أو مستوى في الأخلاق أو في المدارك لم تتحقّق الحكم والمصالح، ولكنّ الله حكيم عليم: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون) [الزخرف:32]، فالله فضّل بعض الخلق على بعض ليُسَخِّر هذا لخدمة هذا، ويسَخِّر هذا بالبَذْل لهذا، فسبحان الحكيم العليم فيما قضى وقَدّر.
أيها المسلم، ويتساءل المسلم عن علاقة العامل بصاحب العمل، وما هو موقف الشريعة من ذلك؟ ما موقف الشريعة من غَبْن العمل والعامل؟ وهل هناك في الشرع تنظيم لتلك العلاقة وإعداد لها؛ لتأخذ مَسَارها الصحيح، فترتفع عن الظلم والعدوان، وتغرز الأمانة في نفس العامل، وتمنع رَبّ العمل من ظلم وطغيان وتَعَدّ؟ نقول: نعم أيها المسلم، شريعة الله جاءت بما يحقّق للبشرية السعادةَ في الدنيا والآخرة، جاءت بالتوازن الحقّ والاعتدال الحقّ في كل الأحوال.
فأوّلاً من حيث العامل ورَبّ العمل، فشريعتنا جاءت بما يحقّق هذه المصلحة للطرفين معًا:
فأوّلاً: العمل في شريعة الإسلام له منزلته وفضله، والكسب الذي يناله العامل من أجل عمله هو من أفضل المكاسب وأجلّها، يقول : "خير مال الرجل عمله بيده، وكل بيع مبرور"[1]، فخير كسب يناله العبد ما كان هذا الكسب ناتجًا من عمل يده وعرق جبينه، فذاك عزُّه وشرفُه وفضلُه، فهو أولى له من أن يسأل الناس ويذِلّ لهم، وفي الحديث: "لو أن أحدكم أخذ حَبْلَه فأتى بحطَبٍ فباعه فأغنى به نفسه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه"[2]، فالعامل شريك في نفسه إذا أدّى عمله بصدق وإخلاص، واتقى الله في ذلك، فمكاسبه مكاسب طيبة، مكاسب شريفة، مكاسب تصحبها عزّة النفوس، عزّة النفس وعلوّها وابتعادها عن الذلّ والهوان باستعطاء الناس والالتجاء إليه.
ثانيًا: أَمَرَ اللهُ العاملَ ورَبّ العمل بالتزام العقد الذي بينهما، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة:1]، فرَبّ العمل يلتزم بالعقد بينه وبين العامل من حيث الأجرة، من حيث نوع العمل، من حيث مقدار العمل، حتى يكون الأمر واضحًا للجميع، فرَبّ العمل مطلوب منه أن يوفي بالعقد الذي التزمه بينه وبين العامل التزامًا كليًا؛ لأن هذا من الأمانة، وإذا خالف ذلك كان من الخائنين، ومن أخلاق المنافقين الذين إن حدّثوا كذبوا، وإن وَعدُوا أخلفوا، وإن ائتُمِنوا خانوا، ثم العامل واجب عليه الالتزامَ بتنفيذ ما جرى العقد عليه بأمانة وصدق وإخلاص، فإذا أدّى العامل ورَبّ العمل أدّى كلّ منهما الحق الواجب عليه فإن الأمور تسير على خير بتوفيق من الله.
وأمر آخر حَثّ الإسلامُ رَبَّ العمل أن يوفي العامل أجره، ويسارع في ذلك، فيقول : "أدّوا العامل أجره قبل أن يجفّ عَرقُه"[3]. فالتّمَاطُل بالعُمّال وتأخير مُستحقّاتهم، وجعلها أشهرًا عديدة مع أن رَبّ العمل يملك القدرة، لكن التهاون والتلاعُب واستغلال المال في مصالِحِه، وأولئك يرجون منه تسديد حقوقهم في وقتها، [و]هو لا يبالي، بل بعضهم يُلجِئهم إلى الشِّكاية، أو يُلجِئهم إلى التنازل عن بعض حقوقهم ظلمًا وعدوانًا، وتلك عواقبها سيّئة ووخيمة.
وأمر آخر أنه يحرم عليه أن ينقص من حقوقهم شيئًا إذا أدّوا الواجب عليهم، في الحديث يقول : "قال الله: ثلاثة أنا خصمهم، ومن كنت خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ"، ذكر منهم: "رجلاً باع حُرًّا فأكل ثمنه، ورجلاً استأجر أجراء فاستوفى منهم حقّه، ولم يعطهم حقّهم، ورجلاً عاهد بي ثم غَدَر"[4]، فهؤلاء فالله خصمهم يوم القيامة، خصم صاحب العمل الذي أتعب العامل، واستوفى الحقّ الكامل، ثم ماطل بالحقوق وجحدها وظلمها، واختفى عن ذلك العامل، وأبدى من الحيل والخداع والتدليس والتلبيس ما لا يخفى، والله مُطّلع عليه وعلى سريرته.
وفي شريعة الإسلام ثناء على رَبّ العمل الذي أدّى الحق الواجب عليه، وأنّ أداء حقوق العمّال بصدق سبب لإجابة الدعاء والنجاة من الكربات والأزمات، أخبرنا نبينا عن قصة النفر الثلاثة الذين آواهم المَبِيتُ إلى غار، فانحدرت صخرة سدّت عليهم ذلك الغار كله، ولا يستطيعون أن يُزَحْزِحُوها، ولا يُعلَم بهم من ورائها، فلما ضاقت بهم الحيلُ التجؤوا إلى الله، وتوسّلوا إليه بصالح أعمالهم، وهم ثلاثة، فأحدهم قال: "اللهم تعلم أني استأجرت أُجَراء، فأعطيتهم حقوقهم إلا واحدًا ترك الذي له ومضى، فثَمّرتُه حتى حصل منه إبل وبقر وغنم ورَقِيق وحَرْث، فجاء ذلك العامل بعد حين فقال: يا عبد الله، أعطني حقي. قال: كل ما ترى من إبل وبقر وغنم وحَرْث ورَقِيق فهو لك. قال: أتستهزئ بي؟! قال: لا. قال: يا رب، فأخذه كله، ولم يُبقِ منه شيئًا، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فخلّصنا مما نحن فيه. فارتفعت الصخرة، وخرجوا يمشون"[5]. هكذا ثواب الصادقين، أهل المعاملة الصادقة والأمانة والإخلاص.
وبضدّه من حاول التهرّب عن الحقوق لابد أن يُصاب بمَحْق في مكاسبه، وخسارة في صفقته التجارية، مع ما عند الله له من الوعيد ودعاء المظلومين، ودعوة المظلوم يرفعها الله، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول: "وعزّتي لأنصرنّك ولو بعد حين"[6]، فليس بين دعوة المظلوم وبين الله حجاب، كما قال لمعاذ: "واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"[7].
أيها المسلم، إن الواجب على المسلم حينما يستخدم عُمّالاً رجالاً ونساءً أن يتّق الله في أولئك الخَدَم، تقوى لله فيما بينه وبين الله، فأوّلاً يعلم حاجة أولئك وفقرهم وحاجتهم، وأنهم إنما تركوا الوطن والأهل والولد لأجل طلب المعيشة، لأجل العادة والحاجة، جاؤوا من أقطار الدنيا طلبًا للمعيشة، فواجبٌ الرّفقُ بهم، والحِلم عليهم، وأن تدعوهم إلى الله جلّ وعلا، وأن تصلح ما لديهم من أخطاء ومخالفات شرعيّة، وأن تكون سببًا في استقامة أحوالهم وتهذيب سلوكهم والحرص على دعوتهم إلى الله، فعسى الله أن يهديهم على يديك، فيقول لعلي: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حُمُر النَّعَم"[8]، أن تعاملهم بالرّفق في الأمور كلها، يقول : "إخوانكم خَوَلُكم، جعلهم الله تحت أيديكم، ومن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يَطْعَم، وليلبسه مما يَكْتَسِي، ولا تُكلّفوهم ما لا يطيقون، وإن كلّفتموهم فأعينوهم"[9].
ومحمد ضرب أروع المَثَل في التعامل مع الخَدَم، فيحكي خادمه أنس بن مالك عن سيرته معه وعن تعامله معه، يقول: (خدمته عشر سنين، والله ما قال لي لشيء فعلتُه: لم فعلتَه؟! ولا لشيء لم أفعله: لِمَ لم تفعله؟!)[10]. هكذا كان .
إن أولئك قد تكون عندهم أخطاء وشيء من المخالفات سببه الجهل والبعد عن مَنَار العلم، فإذا استغلّ صاحبُ العمل أولئك دعاهم إلى الله، وشجّعهم على فعل الخير وعلى أداء الصلوات، وفقّههم في دين الله، جمع الله له بين خيري الدنيا والآخرة، وذاك يسير على من يسّره الله عليه.
أيها الإخوة، ثم قضية أخرى وهي قضية الخادمات، تلك المشكلة التي يعاني منها بعض البيوت، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.
اعلم ـ أيها المسلم ـ أن هذه الخادمة في بيتك هي حُرّة ليست رقيقةً لك ولا مُلْك اليمين، هي حُرّة عفيفة ليست مُلكًا لك، ليست رَقِيقةً عندك، هي حُرّة جاءت للخدمة. فاحذر ـ أيها المسلم ـ أن تُسيء إليها، وأعظمُ الإساءة ـ والعياذ بالله ـ ما قد يقترفه بعض أولئك من استمتاع بأولئك الخادمات، واتخاذهنّ للمتعة، وهذا أمر خطير، ومنكر كبير، وزنا وفجور، والعياذ بالله.
أيها المسلم، هل ترضى الزنا لأمك؟! وهل ترضاه لبناتك وأخواتك وزوجاتك؟! إنك تنفر من ذلك، فاتق الله فيمن تعامل، واعلم أن ما تفعله من منكر فيُخشَى أن تدور الدائرةُ عليك، وأن يُعامَل أهلُكَ كما عاملتَ الآخرين، فعفُّوا تعفّ نساؤكم، هذه خادمة ليست زوجة، لا يحلّ لك التمتع بالنظر إليها، ولا يحلّ لك أن تخلو بها، ولا يحل لك أن تُجرِي معها أحاديث، ولا يحل لك أن تبقى في المنزل أنت وإياها وحدك، فالشيطان يجري من ابن آدم مَجْرَى الدم، وما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما.
تَرَفَّع أخي عن هذه الدنايا، تَرَفَّع عن هذه الرّذائل، ابتعد عن هذه النقائص، عفّ نفسك، واجعل بيتك بيت عَفَاف وصيانة، لا بيت خَنَاء ودَعَارة والعياذ بالله. اتق الله في نفسك، وحافظ على من عندك كما تحافظ على زوجاتك وبناتك، فتلك الأمانة الصادقة، وإن خُنتَ فاعلم أنه قد تُدَارُ الدائرةُ عليك، وقد تُبتلَى في زوجاتك وبناتك، أسأل الله لنا ولكم العافية.
أيها الإخوة، إن مكاتب الاستقدام هي مسؤولة أحيانًا عن كثير من الأخطاء، وعن كثير من المخالفات، فمكاتب الاستخدام أحيانًا لا يبالون بمن يأتون به، ولا يُدقّقون فيمن يأتون به، ولا فيمن يتعاقدون معه، لا يسألون عن أخلاق من يأتون به، ولا عن سيرتهم، ولا عن أحوالهم، ولا هم أصحّاء أم مرضى؟ سُقماء أو فيهم عافية؟ هو لا يهتمّ بذلك، ربّما زَوّرَ شهادات كاذبة صحّية، يثبت بها البُعد عن البلاء، وذلك المستقدَم يحمل بلاءً عِدائيًا، بلاء يُعدِي، لكنّ مكتب الاستقدام لا يهتم بهذه الأمور، مهمّته أن يجلب عُمّالاً ذكورًا وإناثًا، الصلاح أو عدمه هو لا يُدقّق ولا يهتمّ بشيء من هذا.
ومن أخطائهم أحيانًا تلاعبهم بالخَدَم فهم يأخذون من هذا، ويؤجّرون على هذا، فإذا لم تصلح الخادمة لشخص أخذوها وأجّروها بأجرة أخرى، يأخذون ما زاد ولا يعطون العامل إلا الأقل، ولا يعلمون أن هذا حرام، وأن أكلهم لهذه الزيادة من المآكل الخبيثة والمكاسب السيئة.
أمر آخر أيضًا مما يخطئ فيه مكاتب الاستقدام، ويتعاونون مع بعض ضعفاء الضمائر لاستجلاب من لا حاجة له، ومن لا تدعو الحاجة إلى حضوره، لكنهم يأتون بهم ثم يتركونهم سائحين في الطرقات؛ ليعملوا ما شاؤوا مقابل قسط من المال شهريًّا أو سنويًّا يأخذونه من ذلك العامل، هذا العامل سُرّح في الطرقات إذا عجز عن المكاسب ربّما سلك الطرق المُلتوية لأجل تحقيق المصلحة المادّية له، ثم لذلك المكتب الاستقدامي أو المستقدم الذي يريد أن يكوّن ثروة من عرق جبين الآخرين، فما أقبحه من مكسب! وما أرذله من مال!
أيها المسلم، لنكون متّقين لله في أحوالنا، ولنكن حريصين على أمن أنفسنا وبيوتنا وأهلينا ومجتمعنا عمومًا، إن هذا التصرّف الخاطئ بهذه الأمانات وعدم المبالات وعدم التطبيق للأنظمة التي وضعها ولاةُ الأمر إنما يسبب فسادًا كبيرًا وشرًا عظيمًا, فليتق المسلمون ربهم، وليكونوا أعوانًا على البرّ والتقوى، وليحذروا أن يكونوا أعوانًا على الإثم والعدوان، وليعلموا أن المكاسب المادّية إذا لم تكن مكاسب نظيفة خالية من الحرام إذا لم تكن كذلك فلا خير فيها، فالمكاسب الخبيثة مآلها محقُ البركة وعدم الانتفاع بها.
فلنتق الله في أنفسنا، ولنعلم أن الخدم ليسوا ملكًا لنا وأرِقّاء، جئنا بهم بأجرة معيّنة، فلندفع لهم استحقاقهم، أما أن نأجّرهم من هنا وهناك، ونكتسب من وراء تأجيرهم، ونأخذ منهم ما زاد على ذلك، فبأي سبيل نستحلّ؟! بأي سبيل تستحلّه؟! أنت أتيت به بستمائة ريال مثلاً، وتؤجّر الخادمة بألف ريال أو ثمانمائة، هذا الزائد لماذا تستحلّه؟! ليس ملكًا لك، وليس هذا رقيقًا تحتك، هذا مسلم مثلك، كون الله فضّلك بالغنى والعطاء لا تظنّ بذلك أنك أعلى منزلة منه، فَعُلُوّا المنزلة إنما عند الله بالتقوى والعمل الصالح، فعامل المسلم، بل عامل بني الإنسان عمومًا بالعدل والإنصاف، فإن الله أمرنا بذلك: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) [النحل:90]. أما الظلم والعدوان والتحايل من مكاتب الاستقدام ومن يتعاون معهم ممن يتستّرون على المجرمين، ويتغاضون عن المفسدين، فهؤلاء بالحقيقة ساعون في الأرض فسادًا.
نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وأن يعيننا وإياكم على كل خير، وأن يجعلنا وإياكم ممن أدّى الأمانة التي ائتمنه الله عليها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال:27].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] أخرجه من حديث أبي بردة رضي الله عنه: أحمد (3/466)، والطبراني في الكبير (22/197)، والحاكم (2158)، والبيهقي في الكبرى (5/236)، وفي الشعب (1226)، وأعلّه بالإرسال جماعة من النقّاد، وله شواهد من حديث رافع بن خديج والبراء وابن عمر رضي الله عنهم لا تخلو جميعها من مقال، انظر: التلخيص الحبير لابن حجر (3/3)، وقد أورده الألباني في السلسلة الصحيحة (607).
[2] أخرجه البخاري في الزكاة (1470، 1480)، ومسلم في الزكاة (1042) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[3] أخرجه ابن ماجه في الأحكام (2443) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بسند ضعيف جدًّا، فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأخرجه الطبراني في الصغير (ص9) من حديث جابر رضي الله عنهما، وسنده أيضًا ضعيف، فيه محمد بن زياد الكلبي وشيخه شرقي بن القطامي ضعيفان، ولكن صحّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الطحاوي في شرح المشكل (3014)، والبيهقي في السنن (6/121)، انظر: الإرواء (1498).
[4] أخرجه البخاري في الإجارة (2270) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[5] أخرجه البخاري في الإجارة (2272)، ومسلم في الذكر والدعاء (2743) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
[6] أخرجه أحمد (2/445)، والترمذي في الدعوات (3598)، وابن ماجه في الصيام (1752) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال الترمذي: "حديث حسن"، وصححه ابن خزيمة (1901)، وابن حبان (7387)، وضعّفه الألباني في السلسلة الضعيفة (1358).
[7] أخرجه البخاري في الزكاة (1496)، ومسلم في الإيمان (19) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
[8] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2942)، ومسلم في فضائل الصحابة (2406) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
[9] أخرجه البخاري في الإيمان (29)، ومسلم في الأيمان (1661) من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه.
[10] أخرجه البخاري في الوصايا (2768)، ومسلم في الفضائل (2309) بنحوه.
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه، كما يحبّ ربّنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى الدين.
وبعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
أيتها الأخت المسلمة ربّةَ البيت، أوصيك بتقوى الله، والمحافظة على مَن عندك من الخادمات محافظة كما تحافظين على بناتك وأولادك، حافظي عليهن، ولا تمكنيها من البقاء مع الزوج منفردة، وكوني عينًا ساهرة على أخلاقها وقيمها، فأنت راعية مسؤولة عن رعيتك، فاحذري أن يتحوّل البيت إلى بيت فجور وبِغَاء، حاولي بكل إمكان تأديب هذه الخادمة بالتوجيه والتعليم على أن تبقى بعيدة عن الاختلاط بالرجل وعن الخلوة به، ولا تمكّينها من الذهاب معه وحده في أي مسار، حاولي إخلاصًا وصدقًا أن تُبعدِيها عن هذه الرذائل، فقد يخدعها ذلك بشيء من المال، وقد يُغَرِّر بها، فكوني عينًا ساهرة على الأخلاق؛ لأن البيت إذا عُمِر بالعفّة والصيانة كان بيتًا طاهرًا نقيًّا، احذري أن يتحوّل الأمر إلى خلاف الشرع فتصابي في نفسك أو في بناتك بمصيبة، حاولي قدر اجتهادك عَزْلَ هذه الخادمة عن الشباب الكبار، وعن أي شيء، حاولي إرساء العفّة والتحذير من السوء، وأن تكوني دائمًا ذات رقابة على هؤلاء، فهنّ أمانة في الأعناق، فاحذري خَدْش الكرامة، واحذري التهاون، واحذري الإذلال والتسلّط بغير حق، فإن الواجب عليك وأنت راعية ومسوؤلة عن رعيّتك مسؤولة عن أهل بيتك، البيت أمانة في أعناق الأمهات، في أعناق رَبّات البيوت، فإن لم تكن رَبّة البيت ذات دين وحَزْم في أمورها كلها تفلّت البيت، وضاعت القيم والأخلاق.
نسأل الله أن يحفظنا وإياكم بالإسلام، وأن يثبتنا وإياكم على قوله الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، وأن يحصّن فروجنا، ويحفظنا من مخالفة الشرع، إنه على كل شيء قدير.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسنَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد ...

عمال القطاع الخاص في الميزان الحكومي


عمال القطاع الخاص في الميزان الحكومي
وزارة العمل تغازل أرباب العمل وتدير ظهرها للعمال
خاص ــ قاسيون«العدد287»: لم تسفر المباحثات الجارية بين وزارة العمل واتحاد غرف التجارة والصناعة واتحاد نقابات العمال إلى أي اتفاق يذكر بشأن تعديل قانون العمل الموحد المتعلق بعمال القطاع الخاص، وما يزال الصراع قائماً بين الأطراف الثلاثة حول ثلاث قضايا أساسية تتمحور حول مبدأ العقد شريعة المتعاقدين، والمرسوم 49، والحد الأدنى للأجور، حيث يتجه موقف وزارة العمل إلى الأخذ بمبدأ العقد شريعة المتعاقدين، كأساس لتعديل قانون العمل بهدف تشجيع الاستثمار الخاص والتكيف مع متطلبات الشراكة الأوروبية، في حين تطالب غرف التجارة والصناعة بإلغاء المرسوم 49 الذي يحمي العامل من التسريح التعسفي، بينما يعارض اتحاد نقابات العمال تعديل قانون العمل بالاتجاهين المذكورين حرصاً على مصالح الطبقة العاملة.
شريعة المتعاقدين..شريعة الغاب
ينطلق مشروع تعديل قانون العمل من مبدأ أساسي قوامه «العقد شريعة المتعاقدين» ويبدو من المحادثات الجارية أن هناك تحالفاَ بين أرباب العمل ووزارة العمل (؟) لتمرير هذا المبدأ، في حين يقف اتحاد نقابات العمال موقف المعارض له ويصر على إلغائه من مشروع القانون، لأنه يخفي في داخله عقد إذعان، ويؤدي إلى توسيع القطاع الخاص الهامشي (غير المنظم) المنفلت من سلطان القانون وغير المتلزم بأحكامه، ويخشى أن ينسف الحقوق المكتسبة للعامل لأنه الطرف الأضعف دائماً، خاصة مع ازدياد عدد العاطلين عن العمل وغياب حق الإضراب، وبالتالي فإن العامل سيكون جاهزاَ لأي شرط يمكن أن يفرض عليه من رب العمل.
السيد إبراهيم اللوزة عضو المجلس العام لاتحاد نقابات العمال يقول: «إن العقد شريعة المتعاقدين يعني تحويل العامل إلى سلعة خاصة مع ازدياد البطالة، حيث أثبتت تجربة القطاع الخاص في سورية، بأن أرباب العمل كانوا دائماً يتهربون من مسؤولياتهم مثل زيادات الأجور وتسجيل العمال لدى التأمينات الاجتماعية وعدم منحهم الضمان الصحي. . إلخ. لذلك يجب أن تكون القوة للقانون، لأن القول بمبدأ العقد شريعة المتعاقدين يخفي في طياته عقد إذعان للعامل، بسبب عدم تساوي وضع كلا الطرفين، واضطرار العامل إلى بيع قوة عمله بأي ثمن مع ارتفاع الأسعار والفقر» مشيراً بأن العقد شريعة المتعاقدين يمكن أن يكون صحيحاً في عقود المقاولة والبناء أما عند تطبيقه على العمل فإنه يحول العامل إلى سلعة خاضعة للعرض والطلب، مع العلم أن التشريعات العمالية في جميع البلدان وحتى الرأسمالية قد تجاوزت تلك المقولة واتجهت لوضع ضوابط وأنظمة تحمل صفة القانون و الإلزام.
لكن الجانب الأخطر في مبدأ العقد شريعة المتعاقدين هو تعارضه مع اتفاقيات العمل العربية والدولية التي وقعتها سورية، وفي حال إقرار تلك الشريعة في قانون العمل الجديد، فإن ذلك سيسيء إلى سمعة سورية دولياً وعربياً نظراً لتوقيعها على أكثر من 60 اتفاقية عمل عربية ودولية، والتي تؤكد بمجموعها على حق الإضراب للعامل وعقود العمل المشتركة وتسوية منازعات العمل وحق التقاضي .. . وهنا يشير السيد إبراهيم اللوزة « أنه في حالة تم الأخذ بمبدأ العقد شريعة المتعاقدين، فإن سورية ستكون على اللائحة السوداء لأنها وقعت 60 اتفاقية عمل عربية و دولية، فمثلاً اتفاقية العمل العربية بشأن مستويات العمل تنص على وجوب أن يتضمن قانون العمل تنظيم تشغيل العمل والأجور والرعاية الصحية للعمال ووقايتهم من أخطار العمل». والحقيقة أن أغلب أصحاب العمل في القطاع الخاص كانوا يتهربون دائماً من هذه الاتفاقيات ولايطبقون الحد الأدنى منها، حيث يوجد مليونا عامل محرومين من التسجيل في التأمينات الاجتماعية بسبب تهرب أرباب العمل، مما يؤدي إلى خسارة مؤسسة التأمينات الاجتماعية لمليارات الليرات سنوياً، إضافة إلى حرمان العمال من 25% من أرباح المنشأة كما نص عليه المرسوم 112 وتعديلاته، وعدم التزام معظم أرباب العمل بتطبيق المادة 65 التي أوجبت على صاحب العمل أن يوفر وسائل الإسعاف الطبية والخدمات الطبية.
ويشير اللوزة إلى «خطورة سن تشريع محلي متناقض مع الاتفاقيات الدولية والعربية الموقعة لأن المعاهدات الدولية أقوى من القوانين المحلية، وبالتالي إذا كان هناك قضاء مستقل، فإنه سيحكم على أساس الاتفاقات الموقعة وليس على أساس التشريع المحلي» مستغرباَ في الوقت نفسه وجود قانونين للعمل، أحدهما لعمال القطاع العام والآخر للخاص، إذ أن أغلب قوانين العمل في العالم تكون موحدة للعاملين في القطاع العام والخاص معاً، أما جعل القطاع الخاص خاضعاَ لقانون مستقل خاص به فهو محاولة منه للتهرب من استحقاقاته تجاه العمال، مشيراً بأن قانون العمل يجب أن يكون مأخوذاً من النظام العام بما يضمن كرامة العامل وحقوقه.
المرسوم 49 والسير وراءَه
النقطة الخلافية الثانية هوالمرسوم 49 الذي ينص على أنه «لايجوز لأي رب عمل أن يصرف أي عامل من الخدمة دون علمه ودون موافقة مسبقة من (لجنة قضايا التسريح) وفي حال تم التسريح تعسفياً دون التزام رب العمل بالشروط المذكورة، فإنه يحق للعامل ـ بقوة القانون ـ أن يحصل على كامل تعويضاته، إضافة إلى نسبة 80% من أجره طيلة حياته».
الآن تطالب اتحادات غرف التجارة والصناعة بإلغاء هذا المرسوم، ففي التعديلات التي طرحها اتحاد غرف التجارة السورية لمواد القانون جاء مايلي: «لوحظ أن مشروع تعديل القانون لم يتعرض صراحة إلى إلغاء المرسوم 49 لعام 1962 الخاص بلجنة قضايا التسريح والتي تبت في الحالات الفردية لفصل العمال، وكأنه منصرف إلى إبقائه نافذاً أو بجعله في حالة من تنازع القوانين بين أحكامه ونصوص مشروع قانون العمل الموحد المقترح، لذلك يجب أن يأتي الإلغاء صريحاً لتجنب إثارة المشاكل والإرباكات...».
المفارقة في موقف اتحاد غرف التجارة والصناعة هي المطالبة الصريحة بإلغاء المرسوم 49 أي العودة بالتاريخ إلى الوراء 44عاماَ عندما أصدر البرجوازي الوطني خالد العظم المرسوم الذي يحمي العامل من التسريح التعسفي مقابل إيقاف العمال لإضرابهم، ليؤسس بذلك عقداً اجتماعياً جديداً، ينظم العلاقة بين أرباب العمل والعمال من خلال القانون والمؤسسات، رغم أنه لم يكن في ذلك الوقت حزباً ـ اشتراكياً ـ حاكم يملك أغلبية مطلقة في مجلس الشعب باسم العمال والفلاحين، ويدعو إلى اقتصاد سوق اجتماعي في مرحلة لاحقة، لكن البرجوازية المستحدثة التي لم ترث عن برجوازية العظم أدنى أخلاقياتها، تريد أخذ كل شيء دون أن تساهم بأي شيء، وهنا يشير السيد إبراهيم اللوزة: «بأن حق الإضراب للطبقة العاملة قد أصبح مطلباً غير قابل للتأجيل مع الجنوح المتزايد لأرباب العمل نحو اقتصاد السوق الحر» مضيفاً «بأن اقتصاد السوق الاجتماعي لم يكن سوى قناع يختبئ خلفه أرباب العمل وحلفاؤهم في السلطة» متسائلاً: «لماذا تحفظ حقوق العمال في البلاد الأجنبية والعربية، بينما يجري عندنا ضرب مصالح العمال بحجة تشجيع الاستثمار، لافتاً، بأن هذا الأمر في حد ذاته عائق أمام الاستثمار، لأنه بغياب المدخرات والقوة الشرائية لايمكن تأمين النمو الاقتصادي وبالتالي بناء اقتصاد متين، وهذا ما أدركته الدول الرأسمالية، حيث قامت بوضع سلم متحرك للأجور بهدف الحفاظ على القوة الشرائية من أجل تصريف المنتج على عكس ما يجري عندنا».
وأشار اللوزة إلى أنه ينبغي خوض معركة حقيقية في هذا الاتجاه لأن المرسوم 49 لم يأت إلا بعد دماء من جانب الطبقة العاملة وأي إلغاء لهذا المرسوم يعني العودة إلى تلك المرحلة التي غلبت عليها الصراعات الدموية والتفكك الاجتماعي.
الحد الأدنى للأجور.. أين المكسب
تم تحديد الحد الأدنى للأجر في مشروع قانون العمل الموحد الجديد بـ 3500 ليرة سورية شهرياً بدلاً من 3486 ل. س شهرياً كما كان سائداً في القانون القديم، لكن هذا الحد قد لايكون نهائياً، إذ تم رفع الحد الأدنى لأجور عمال القطاع الخاص بـ 40% تقريباً، وهذا مايعتبره مدير العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل مكسبا ًعماليا، استطاعت الوزارة تحقيقه وانتزاعه من أرباب العمل، لأنه عندما يسجل رب العمل عماله بالتأمينات الاجتماعية فغالباً ما يسجلهم بالحد الأدنى لأجورهم، وبالتالي عندما استطاعت الوزارة رفع ذلك الحد فإنها ألزمت رب العمل بدفع تأمينات أكثر وهذا فيه مصلحة للعامل ورب العمل بنفس الوقت. حقيقة لاندري كيف توصلت وزارة العمل إلى مثل هذا الرقم، ولا إلى ماذا استندت في حسابه، فهل يتوافق هذا الرقم مع الحد الأدنى لمستوى المعيشة مثلاً، وهل استندت إلى حسابات الخطة الخمسية العاشرة التي تزعم أنها تهدف إلى تخفيض عدد الفقراء وتحسين مستوى المعيشة؟ أم أنها تجاهلت كل ذلك واستندت إلى حسابات أرباب العمل فقط؟
الواقع الملموس والدراسات المحلية تؤكد أن الحد الأدنى الضروري لمعيشة أسرة وسطية العدد(5,6) فرد شهرياً قبل ارتفاع الأسعار الأخير كان بحدود 18 ألف ليرة سورية، أي حصة الفرد الواحد شهرياً كان بحدود 3215 ل. س، وليس 2000 ل.س كما تفترض الخطة العاشرة، وإذا أخذنا بعين الاعتبار ارتفاعات الأسعار الأخيرة منذ تذبذب سعر الصرف للدولار إلى رفع أسعار البنزين والأسمنت، لتوقعنا ازدياد الحد الأدنى المفترض لمستوى المعيشة من 18 ألف ل. س إلى 24 ألف ل.س، أي أن حصة الفرد الواحد شهرياً ستكون بمقدار 4200 ل. س، وإذا أسقطنا هذا الرقم على الحد الأدنى للأجور في مشروع قانون العمل الجديد والذي يصل بعد الزيادات إلى 4805ل.س شهرياً، فهذا يعني بكل بساطة أن كل عامل لدى القطاع الخاص يعيش بالحد الأدنى الضروري لمستوى المعيشة يقابله (4,6) فرد يعيشون بـ600 ليرة سورية شهرياً. فأين المكسب العمالي في ذلك، وكيف تتوافق حسابات وزارة العمل مع حسابات الخطة الخمسية العاشرة لجهة تخفيض عدد الفقراء إلا إذا كان المقصود بالتخفيض هنا ليس انتزاع تلك الشريحة من الفقر، ورفعها إلى الأعلى، بل جعلها في الدرك الأسفل؟
خار ج الحسابات
في الاقتصاد السوري قطاع خاص غير نظامي يعمل فيه حوالي 35% من قوة العمل السورية أي أنه يحوي قرابة الـ (1.75) مليون عامل، هذا القطاع الهامشي غير منظم ولا يملك أي ترخيص إداري ولا يملك العاملون فيه أي ضمانات قانونية، كما تشير الإحصاءات إلى وجود حوالي (150) ألف منشأة حرفية وصناعية في البلاد عدد المسجل منها والذي ينتسب عماله إلى التأمينات الاجتماعية حوالي (30) ألف منشأة أي (20%) منها فقط، في حين يبقى الباقي خارج قوسي القانون والتأمينات! والقضايا الإشكالية الثلاث السابقة أي (عقود العمل، القضاء، الحد الأدنى للأجور) تمس هذه الشريحة مباشرة أكثر من غيرها في القطاع الخاص، فهل سيصل أطراف الصراع الثلاثة إلى حل حقيقي لما هو عالق حول تلك القضايا؟

"العقد شريعة المتعاقدين" يثير الجدل والمخاوف



على نار هادئة.. لجنة حكومية تدرس تعديل قانون العمل، وتغييب التنظيم النقابي
المرعي: لم يؤخذ رأينا في التعديل، ومواد القانون ما زالت صالحة لهذه المرحلة
لوزة: لا يوجد دولة في العالم لديها قانون عمل قائم على (العقد شريعة المتعاقدين)
إن تعديل القوانين القديمة والتشريعات التي أكل الدهر عليها وشرب، هو ضرورة قصوى وإجراء بالغ الأهمية للتخلص من سلبياتها الكثيرة وعرقلتها الواضحة لعملية التطوير. وصدرت تشريعات كثيرة خلال السنوات المنصرمة، بعضها جديد وبعضها الآخر معدِّل لتشريعات سابقة، بهدف خلق بيئة تشريعية وقانونية مناسبة ترضي الجميع. وجهدت الوزارات كثيراً لسن تشريعات جديدة تكون أكثر مواءمة للمرحلة القادمة بتحدياتها ومتطلباتها. واللافت أنه مع كل تعديل لقانون أو مرسوم أو أي نص تشريعي آخر، ثمة انتقادات شديدة توجه بحق هذا التعديل، حتى إن البعض رأى أن التشريعات السابقة ليست أسوأ حالاً من التشريعات الحديثة أو المعدلة. وهذا ما يحدث وينطبق كلياً مع النوايا الحكومية تجاه تعديل قانون العمل رقم 91 الصادر عام 1959، والمرسوم التشريعي رقم 49 الصادر عام 1962، اللذين يحددان العلاقة بين العامل ورب العمل من حيث الحقوق والواجبات لكل ظرف. ويبدو أن هناك أزمة خلافية بدأت بوادر تفجرها بالظهور بين الاتحاد العام لنقابات العمال ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وممثلي القطاع الخاص، بسبب ما يتم من تعديلات على قانون العمل وغياب أو تغييب التنظيم النقابي عن اللجنة المكلفة بدراسة التعديل.
ـ دراسات في الدروج
لا بد من وجود أسباب موجبة تقضي بتعديل القوانين والتشريعات، حتى لا يصبح التعديل هدفاً بحد ذاته، ويتم اقتناص فرصة تعديل أو إصدار تشريعات جديدة لتمرير ما يمكن تمريره، تحت لافتات وحجج واهية. يرى السيد محمد خالد المرعي، أمين شؤون العمل في الاتحاد العام لنقابات العمال: (أن قانون العمل رغم قدمه مواكب للتطورات كلها، ويحفظ أهم نقطة وهي حقوق العمال وحق رب العمل بالذات. وهو متوازن جداً من خلال الحقوق والواجبات. أما بالنسبة للمرسوم 49 الصادر في العام 1962 في فترة كان الرأسمال الخاص يقود البلد وهذا المرسوم يحدد العلاقة من خلال لجان قضايا التسريح بين رب العمل والعامل،.فلا أحد من أصحاب العمل أو العمال يطالب بتعديله). يعدّ هذا الرأي نتيجة لاجتماعات لجنة شكلتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في عهد الحكومة السابقة، وأعدت دراسة تفصيلية حول جدوى التعديل المطلوب. ويؤكد المرعي: أن اللجنة درست نظاماً أساسياً للشركات الخاصة حتى لايقوم كل رب عمل بوضع أو تفصيل نظام على مقاسه. لكن تغيرت الحكومة ووضعت كل هذه الأعمال في الدرج).
شكلت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة الحالية كما يقول المرعي: لجنة قانونية ستضع مؤشرات، ومن ثم تعرض على لجنة يشارك فيها الاتحاد العام لنقابات العمال. لكن ما يصلنا وما نطلع عليه أن هذه اللجنة مكلفة بتعديل قانون العمل رقم 91، ونحن كطرف أساسي وفاعل ضد هذا التوجه المطلق. وقلنا هذا الكلام لوزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل الدكتورة ديالا حاج عارف، وكانت متجاوبة ووعدتنا بأنها ستوجه دعوة إلينا للاجتماع، لكننا لم ندع).
ـ الاستجابة الغائبة
النقابي إبراهيم لوزة، عضو مجلس الاتحاد العام لنقابات العمال، يقول: (تعمل الحكومة حالياً على تعديل قانون العمل، وتستمع الدولة لجهات القطاع الخاص من غرف صناعة وتجارة. وشكلت لجنة التعديل على ضوء اتجاه الحكومة، ولم يتم تمثيل التنظيم النقابي فيها من أجل صيانة حقوق العمال، رغم أن الاتحاد العام لنقابات العمال طلب بمذكرات وأثناء انعقاد المجلس المركزي للاتحاد بضرورة تمثيله دون أية استجابة من الحكومة).
سألنا عن الطرق الأخرى التي يمكن اتباعها في حال استمرار تجاهل مطالب الاتحاد العام لنقابات العمال؟ فأجاب السيد لوزة قائلاً: (التنظيم النقابي يجب أن يخرج هنا إلى الشارع للدفاع عن الحقوق ويحافظ عليها، لأنها أمانة في رقبة التنظيم النقابي).
ـ وهل القانون يسمح بذلك؟
قال لوزة: (الدستور أعطى حق التظاهر) وأضاف: قانون العمل كتب بدم العمال وعلى الحركة النقابية ألا تتراجع عن أحكامه وعما وصلت إليه التشريعات من تطور وحقوق وواجبات).
ـ مطالب ولكن!
لا يرفض ممثلو العمال تعديل قانون العمل والمرسوم 49 على رفضاً مطلقاً، بل إنهم يضعون عدة نقاط جوهرية تحتاج إلى إعادة نظر أو تعديل إن اقتضى الأمر. وأهم هذه النقاط كما يقول السيد لوزة: يجب الانطلاق من قاعدة الحفاظ على الحقوق المكتسبة للعمال، وأن يضاف إليها ما يتعلق بالصحة والسلامة المهنية، وزيادة الأجور، والترفيع الدوري، والتفتيش عن العمل، والإجازات، والرعاية الصحية، وحق الإضراب المهني والمطلبي والمشاركة في مجلس الإدارة، والمفاوضات الجماعية، ونسبة الأرباح، وعدم التمييز في معاملة النساء، وإجازات الأمومة، والضمان الصحي، والتأمين الاجتماعي والتقيد بأحكام اتفاقيات العمل الدولية والعربية ومعايير العمل).
ويقول السيد المرعي: نحن لسنا جامدين أبداً، ومستعدون للنقاش والحوار حتى نصل إلى نتيجة، ولكن من خلال دراستنا للقانون المذكور لم نجد فيه أي شيء جديد، والطرف الآخر لا يقدم لنا أي شيء جديد. وعلى سبيل المثال يجب أن تضغط وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل معنا لعقد اللجنة العليا من أجل الوجبة الغذائية وغيرها من المشكلات).
ـ شريعة الغاب
من أكثر النقاط العالقة التي أثارت حفيظة اتحاد العمال، إضافة إلى تغييبه عن اللجنة المكلفة بدراسة التعديل، اقتراح مفاده أن يكون العقد شريعة المتعاقدين بين العامل وأصحاب العمل. يقول أمين شؤون العمل في الاتحاد العام لنقابات العمال: (نعلم ما تمارسه العولمة والليبرالية المتوحشة من هضم لحقوق العمال، وعلينا أن نناضل من أجل الحفاظ على حق العامل وصاحب العمل)، ويضيف: (بتقديري هذا الطرح غير سليم وغير موضوعي ولا ينم عن وطنية، لأنه استغلال القوي للضعيف، وإن القانون يوضع لتلبية حاجة الناس).
ويرى السيد لوزة: إن المرونة شيء، ونسف حقوق العمال بذريعة مواكبة التطورات وجذب المستثمرين وتسهيل عملهم، أي هضم حقوق العمال ومكتسباتهم، شيء آخر تماماً. إن مقولة العقد شريعة المتعاقدين تعني شريعة الغاب وتخفي مخاطر كثيرة وستصل بنا إلى نتائج كارثية.
ويضيف لوزة: (القضية ليست في المصطلحات والمقولات التي تتلاءم مع الاتجاهات الليبرالية في الاقتصاد، بل في مصالح العمال المكتسبة وحقوقهم، ومن غير المسموح العبث بها، إذ تشكل في قوتها القانونية أداة هامة للاستقرار وسوق العمل الداخلي).
سألنا السيد المرعي: ما دمتم ترفضون مبدأ العقد شريعة المتعاقدين، فما هي رؤية اتحاد العمال لتنظيم العلاقة بين العامل ورب العمل؟
فأجاب: (يتحكم بذلك القانون رقم 91 والمرسوم رقم 49).
قلنا له:إنكم الآن بصدد تعديله، فأضاف: (لم يؤخذ رأينا في ذلك، ونحن ضد هذا التعديل، لأن مواد القانون 91 ما زالت صالحة، وبتقديرنا أن هذا القانون يلائم المرحلة ويحافظ على حقوق العمال وأصحاب العمل).
ـ هل يوجد غبن لرب العمل في القانون 91؟
يقول المرعي: أبداً، إن رب العمل لا ينظر إلى تعديل القانون 91 ولم يطلب حتى الآن. لقد جلست أنا وإياهم ـ أي أرباب العمل ـ منذ سنتين وتناقشنا ودرسنا القانون 91، ووافقوا معنا على أن تتوافق بعض المواد في القانون 91 مع قانون العاملين الأساسي من خلال المزايا التي اكتسبها عمال القطاع الخاص. وقد فوجئنا اليوم بالتعديل. وما زال المرسوم رقم 49 هو الحكم، ويبدأ من مراحل التحكيم الأول، وصولاً إلى الاستئناف. فهل الغبن يقع علينا أم على رب العمل؟
ـ تسمية جديدة
يقارن المسؤولون دائماً بين قوانيننا وقوانين الدول المجاورة، أو مع القوانين الدولية. وغالباً ما يخرجون بنتيجة ثابتة أن القوانين السورية هي من أفضل القوانين. ولكن تجاه مقولة العقد شريعة المتعاقدين لم نجد هذه الميزة التفضيلية بل يمكن وصفها بأنها كرم زائد عن اللزوم يقدم لأصحاب العمل دون مقابل. يقول النقابي لوزة: لا يوجد دولة في العالم تقول العقد شريعة المتعاقدين، لأنه على ضوء قانون العمل توضع الأنظمة لكل مؤسسة من مؤسسات القطاع الخاص. وعلى ضوء الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها. ولا يوجد حكومة في العالم لديها قانون عمل قائم على العقد شريعة المتعاقدين، وأتساءل: من أين أتت الحكومة بهذه التسمية؟!
ويرى السيد المرعي أن اقتصاد الاتحاد الأوربي كله قطاع خاص، وقد ألغى من تشريعاته مفهوم العقد شريعة المتعاقدين، وأن الأردن آخر دولة عربية أزالت هذا المفهوم، وسبقتها مصر بسنين. ويضيف المرعي: (جلسنا مع ممثلة المفوضية الأوربية بدمشق في هذا الخصوص، وكان لديها تصور أن الاتحاد العام لنقابات العمال ضد القطاع الخاص. طلبنا منها أن تأتي بمبرر لهذا الكلام. وما إن وضعناها في صورة الموقف حتى غيرت رأيها وتصوراتها ومواقفها. ويرى المرعي أن رب العمل لدينا واع لكل شيء ويتطور وعيه إلى درجة أنه يريد أن يأخذ كل شيء دون أن يعطي شيئاً. فهو يتطاول على تأمينات العامل وإجازاته، ولا يريد أرباب العمل الالتزام بالقوانين والتشريعات، وهذه نقطة الخلاف بيننا وبين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التي يجب أن تكون الحكم بيننا وبين أرباب العمل.
ويطالب النقابي لوزة جميع النقابات أن تعمل لحماية حقوق العمال من خلال رفع أصواتهم للحفاظ على المكتسبات.
ـ اجتماعات مغلقة
على نار هادئة وفي غياب التنظيم النقابي، الجهة ذات العلاقة المباشرة، تجري اجتماعات مغلقة لتعديل قانون العمل رقم 91 والمرسوم التشريعي رقم 49. وما صدر من معلومات أولية عن اللجنة المكلفة بتعديل القانون والمرسوم المذكورين يبدو أنه لا يصبّ في مصلحة العمال، إن لم نقل إنه تراجع واضح عن المكتسبات العمالية التي تحققت بفضل نضال طويل وتضحيات كبيرة. المسألة الثانية وهي بالغة الأهمية أن سورية وقعت على 11 اتفاقية عربية من أصل 19 اتفاقية، تضمن حقوق العمل والعمال من التسريح التعسفي، الأمر الذي يتناقض مع ما يطرح الآن تحت لافتة العقد شريعة المتعاقدين. إضافة إلى التوقيع على نحو 49 اتفاقية دولية بهذا الخصوص، وهذه الاتفاقيات جميعها تنص على أن تكون الاستشارة ثلاثية على مستوى الدولة لتنظيم العمل وتتألف من الحكومة، والعمال، وأصحاب العمل.
لا يمكن قبول تعديل قانون العمل على نحو يخالف الاتفاقيات المذكورة آنفاً، ولا يحقق مكتسبات جديدة للعمال، وينظم العلاقة بين العمال وأرباب العمل بالطريقة التي ترضي الطرفين وليس على أساس سلطة القوي وعقد الإذعان كما يحدث الآن. وبدلاً من إضاعة الوقت في تعديل القانون يجب العمل على تطبيقه.
أعلى الصفحة

التحذير من ظلم العمال

التحذير من ظلم العمال

ملخص الخطبة:
1- الوفاء بالعهد من أخلاق المؤمن.
2- الحكمة من تفاوُت النَّاس في هذه الدنيا.
3- وجوب الالتزام بالعقد.
4- إرشادات نبوية للعمال وأرباب العمل.
5- صور من ظلم العمال.
6- فضل الصدق والأمانة.
7- ذم الغدر والخيانة.
8- حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم.
9- الحث على دعوة العمال إلى دين الله تعالى.
10- نصيحة لأصحاب المنتديات.
• • • • •
الخطبة الأولى
أمّا بعد: فيأيّها الناس، اتّقوا الله – تعالى - حقَّ التّقوى.
عبادَ الله، إنّ مِن خُلُق المؤمن وفاءَه بالعهودِ والتِزامَه بالعقود، {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8]، فهو إذا وعَد أوفَى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]. هَكذا خلُق المؤمن، صِدقٌ في تعاملِه، فلا كذِبَ ولا غِشَّ، ولا خيانة ولا غَدر، ولكن التزامٌ بما التزَم به ووفاءٌ بهذا كلِّه؛ طاعةً لله وعبادةً يتقرَّب بها إلى الله.
أيّها المسلم، وإنَّ المؤمنَ ليلزَم العدلَ في أقوالِه وأفعالِه، فبالعدلِ تُحفَظ الحقوق وتطمئِنّ النفوس، والظلمُ محرَّم على العباد، حرّمَه الله على نفسه، وجعَله بين عباده حرامًا، في الحديث القدسيّ: ((يا عبادي، إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا)). [1] إذًا فالمؤمِن لا يظلم أحدًا بجحدِ حقِّه، أو خيانة في وعدِه وعدم وفاء بما بينه وبينه منَ العقد؛ بل هو ملتزمٌ بالوفاء طاعةً لله، وإظهارًا لمحاسن هذا الدين، الذي جاء بما يحقِّق للبشرية السعادة في الدنيا والآخرة.
أيّها المسلم، مِن حكمةِ ربِّنا - جلّ وعلا - أن جعَل هذا الخَلقَ متفاوتين في أخلاقهم وأرزاقِهم وقُدُراتهم، وبهذا يعمُر الكون، فسبحانَ الحكيم العليم! فلو أنَّ الناس كلَّهم أغنياء لما انتفع بعضُهم ببَعض، ولو كانوا فقراءَ لما نفَع بعضُهم بعضًا، ولكن لله حكمَة في التّفاوت بين عبادِه، وأعظم التفاوتِ وأكبرُه هو ما بينَهم من تفاوتٍ في دينهم وتقواهم لربِّهم.
أيّها المسلم، إنَّ الله يَقول: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32]، ففي الخَلقِ الأغنياءُ، وفيهم الفُقراء، وفيهم العالم، وفيهم الجاهِل، وفيهم القادِر ببدنه والعَاجز، وفيهم القادِر بفِكره والعاجِز ببَدَنه، وسبحانَ مَنْ له الحكمةُ في هذا التفاوتِ والتَّباين.
أيّها المُسْلِم، ومِمَّا ينبغِي أن يهتمَّ به المسلم ويراعيَه أن يكونَ ملتزِمًا بالعَقد الذي بينَه وبين مَن استَأجرَه مِن عُمَّال، فيلتزِم بالعقد الذي بينه وبينهم، ويعطيهم حقوقَهم كاملةً كما اتَّفق بينه وبينهم، يعطيهم الحقوقَ كاملةً التي جرى الاتفاق بينه وبين العامل [عليها]، فيعطيه أجرَه كاملاً موفَّرًا من غير نقصٍ وإخلال. هذا هو واجب المسلم؛ لأنَّ العقدَ الذي بينك وبينه كما يلزِمُه القيام بالعمَل، فإنه يلزمك أيضًا أداءَ الحقّ الواجب له، فهو يلزِمُه تنفيذَ العقدِ الذي أبرمتَ بينك وبينه، يجِب أن يلتَزِمه ويقومَ بالواجب، وفي ضمن ذلك أن تلتزِمَ أنت بما التزَمتَ به بينَكَ وبينه مِن أجرةٍ شهريّة يجب أن تعطيَها كاملةً موفَّرة غير منقوصة، وإن انتقصتَ شيئًا منها فقد ظلمتَ وأكلتَ مالاً بغيرِ حقّ، هذه شريعة الإسلام.
فالواجبُ على الجميع التعاونُ على الخير، والتّساعد على الخير، وأن لا يظلِمَ أحدٌ أحدًا، فكما أنّ العامِلَ يَحرُم عليه ظلمُ من استأجره وعدمُ القيام بالواجِب، فأيضًا صاحِب العمَل يحرم عليه أن يظلمَ العاملَ ويبخسَه حقَّه، ويقتطعَ مِن راتبِه بلا حقٍّ، فإنَّ هذا ظلم له، وكذا يحرُم عليه أيضًا أن يقتطعَ شيئًا من حقِّه، فهو يحرُم عليه تأخيرُ الوفاءِ بلا عذرٍ شرعيّ، فمَطل الغنيِّ ظلمٌ يحلّ عرضَه وعقوبته.
أيُّها المسلم، في شريعةِ مُحمَّد - صلى الله عليه وسلم - إرشادُ الجميع إلى الخير، وَحَثُّهم على التعاون على الخير، فمحمّد - صلى الله عليه وسلم - يرسم لأمّتِه الطريق السويَّ الذي يجب أن يسيرَ عليه العُمّال وأربابُ العمَل؛ لكي يؤدِّيَ كلٌّ ما وجب عليه بطيبِ نفس.
فأوّلاً: يحثّنا نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - على الوفاءِ بحقوق العاملِ فيقول - صلى الله عليه وسلم -: ((أَعطوا العامِلَ أجرَه قبلَ أن يجفَّ عرقُه)) [2]، بِمَعْنَى أن تُبادِرَ في إيفاء حقّه، وأن لا تؤخِّرَ الوفاءَ بلا عذر؛ بل يجِبُ المبادرة بالوفاءِ، فهو حقٌّ له لا يجوز أن تؤخِّره ظلمًا وعدوانًا.
ثانيًا: أرشَدَ - صلَّى الله عليه وسلم - صاحبَ العَمَل كيف يتعامل معَ العامل، فيقول - صلى الله عليه وسلم -: ((إخوانُكم خَوَلُكم، جعَلهم الله تحت أيديكم، ومن كان أخوه تحت يدِه فليطعِمه مما يأكُل، وليُلبِسه مما يلبَس، ولا تكلِّفوهم ما لا يطيقون، وإن كلَّفتموهم فأعينوهم)) [3]. فانظروا إلى هذا الأدبِ العظيم والتعامل الجمِّ، ((إخوانُكم خوَلُكم، جعلهم الله تحت أيديكم))، نعم هم تحت يدِك لفقرِهم وحاجَتِهم، فأطعموهم مِمَّا تأكلون، وألبِسوهم مما تلبسون، ولا تكلّفوهم ما يغلِب عليهم، فإن كلَّفتموهم ما يغلِب عليهم فأعينوهم.
وثالثًا: رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أرشَدَ إلى التعامُل بالحقِّ، وحُسن الخلُق، وعدَم الأذى، فأبو مسعودٍ - رضي الله عنه - ضرب غلامًا له، قال: فما شَعرتُ إلاّ ورجل من خلفي يقول: ((أبا مسعود، للهُ أقدَر عليك من قدرَتِك عليه))، قال: فالتفتُّ فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: "يا رسول الله، هو حرٌّ لوجه الله"، قال: ((لو لم تفعل هذا للَفحَتْك النار يوم القيامة)) [4]، هذا في العبد المملوك فكيف بغيره؟!
ورابعًا: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((للخادِم كسوتُه ونفقتُه، ولا يكلَّف ما لا يطيق)). هذا هو الواجِب على المسلم؛ أن يكونَ صادقًا في تعامله، بعيدًا عن الغِشّ والخيانة.
أيّها المسلم، إنّ هناك أخطاءً عديدةً تقَع بين العامل وربِّ العمل، أساسها الظلمُ من الجميع، فأحيانًا يظلِم صاحبُ العمَل عمّالَه، وظلمه يكون في أمور:
فمِنها محاولَةُ بخسِ الحقوق، ويكتُب عَقدًا بينه وبينه، ثم إذا حضَر العامل حاولَ التخلّصَ من هذا العقدِ ليجعله أقلَّ مرتَّبًا مما اتُّفِق عليه من قبل، فيضطرّ هذا المسكينُ الذي بذَل قصارى جهدِه ليصلِ إلى أن ينتفِع بشيء من المال تحت هذا الضّغط السيِّئ، فربَّما وقَّع على عقد ثانٍ وهو مرغَم عليه من غير اختيار، وهذا من الظلم العظيم.
وثانيًا: أنَّ من أخطاء أرباب العمل أحيانًا أنهم يظلِمون العامل، فربما أجَّروه على غيرهم وأعطوه لمن ينتَفِع به مقابلَ شيءٍ يأخذه صاحبُ العمل، وذلك مقتَطَعٌ مِن راتِب العامل، فيكون العامِل مثلاً أجرتُه في الشّهر ألف ريال، فربما أجَّرَه بألف وخمسمائة؛ ليأخذَ هذه الخمسمائة التي يأخذُها ذلك العامل، وكأنَّ هذا العاملَ عبد من عبيده يتحكَّم فيه كيف يشاء! وهذا مِن الظلم والعُدوان.
ومِن أخطاءِ أولئك إتيانهم بعمّالٍ وتسريحُهم في الشوارعِ يعمَلون ما يشاؤونَ تحت مؤسَّساتٍ وهميّة، وأمور وهميّة لا حقيقةَ لها، فيدخِلهم باسم مؤسَّسة وهميّة، فيدعهم في الطرقاتِ يعملون ما يشاؤون وهو يمتصّ من دَخلهم ومن عَرقِ جبينهم أحيانًا كلَّ شهرٍ، أو عندما يحتاجُون إلى السفر، وهم يعمَلون ما يشاؤون، وربَّما ضرّوا أنفسَهم أو أضرّوا بغيرهم تحت مظلّةِ صاحب هذه المؤسّسة الوهميّة، التي ألحقت الضّررَ بالأمّةِ في حاضِرِها ومستقبلها.
ومِن أخطاءِ أولئك أيضًا المماطَلةُ في الحقوقِ، وعدَمُ الوفاء بها، وتأخيرُها شهورًا عديدة، حتى رُبَّما ملَّ العاملُ وسئِم ووافق على اقتطاعِ جزءٍ منه مقابِلَ إعطاء بقيّة الحقوق، وهذا منَ الظلمِ والعدوان، وأكْل أموال الناس بالباطل.
ومِنْ أخطائهم أيضًا أن يكونَ في العقود بعضُ المميِّزات لذلك العامل، لكن ترى ربَّ العمل يحاوِل التخلّصَ من هذه كلِّها بأيّ حيلةٍ يَحتالها، فيقف هذا العامل ضعيفَ القدرة قليلَ التصرّف، لا يستطيع الدّفاعَ عن نفسه؛ لأنَّ [صاحبَ العمل] ظالم لا يخاف الله ولا يرجوه.
فالواجِبُ على الجميع تقوى الله، وإنَّ التعامل بالصّدق والأمانة دليلٌ على قوّة الإيمان، والخيانة والغِشّ والتلاعبُ بالعقودِ دليل على ضَعف الإيمان، وقِلّة الحياء والخوف من الله.
أيّها المسلم، اسمَع - وفَّقك الله - ثوابَ الأمانة والصّدقِ في التّعامل، أخبرنا - صلى الله عليه وسلم - عن الثلاثةِ الذين آواهم المبيتُ إلى الغار، فانطبقت عليهم الصَخرة، فأصبحوا لا يستطيعون الخروجَ من هذا الغار، فقال كلٌّ منهم: كلٌّ يتوسَّل إلى الله بصالح عمله، فقام الثَّالث فقال: ((اللّهمَّ إني استأجرتُ أجراءَ، فأعطيتُهم حقوقَهم إلا واحدًا ترَكَ الذي له وذهَب، فثمَّرتُه له حتى كان منه إبلٌ وبَقَر وغنم وزرع، فجاءني بعد حين وقال: يا هذا، أعطني حقّي، فقلتُ له: كلّ ما ترى من إبلٍ وبقر وغنم وزرعٍ، فهو لك، قال: أتستهزئ بي؟! قلت: لا، كلُّ ذلك لك، قال: فأخَذَه كلَّه ولم يدَع لي منه شيئًا، اللّهمّ إن كُنْتُ فَعَلْتُ ذلك ابتغاءَ وَجْهِك فافرُج عنّا ما نحن فيه، فانفَرَجت الصخرةُ شيئًا)) [5]. فانظُرْ إلى هذه الأمانةِ، وهذا الصدق، وهذا التَّعامُل الخالِص، ذهب ذلك العامِل وترك حقَّه لأمرٍ ما، وهذا الأمينُ ثَمَّره له ونمَّاه له، وأعطاه كلَّه ولم يطلب منه شيئًا، تركَه ابتغاءَ مرضاةِ الله وتقرّبًا إلى الله، فصار عملاً صالحًا نفعَه في تلك المضائق.
أيّها المسلم، إنَّ بخسَ العامل حقَّه من كبائر الذنوب، يقول - صلى الله عليه وسلم -: ((قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثمّ غدَر، ورجلٌ باع حرًّا وأكل ثمنَه، ورجلٌ استأجَر أجيرًا فاستوفَى منه ولم يعطِه أُجرته)) [6]، هؤلاء خصمُهم الله يومَ القيامة، فلا يغرّنّك قوّتُك وقوّة لسانك وحجَجِك، وضعفُ هذا العمل وقِلّة حيلته، لا يغرّنّك هذا، راقِبِ الله وخَفِ الله، الَّذي أغْنَاك وأعطاك قادِرٌ أن يسلبَ نعمتَه منك، فتعود فقيرًا كما كان هذا العامل فقيرًا.
أيّها المسلم، إنَّ الاتّفاقَ بين المسلمين يجِب أن ينفَّذَ بكلِّ بنوده، انظر إلى موسَى - عليه السلام - لَمّا طلب منه صاحِبُ مَديَن أن يزَوِّجَه إحدى ابنتَيه على أن يجعلَ المهرَ أن يقوم موسَى - عليه السلام - برعايةِ الغنَم ثماني سنين أو عشرًا، {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص: 27 - 28]، فالأجرَةُ المحدَّدة ثماني سنوات، وصاحبُ مَديَن أرادها عشرًا، فاتّفقَا على الثّمان، وموسَى وعد بالثِّنتَين إن تمكَّن، ولكنه أكمَل المدَّةَ، عليه من الله وعلى نبينا أفضلُ الصلاة وأتمّ التسليم.
أيّها المسلم، إنّ حُسنَ الأخلاق دليلٌ على قوّة الإيمان، وإنَّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كان أحسنَ الخَلْق خُلُقًا، وكان أحسنَ الخَلق تعاملاً، قال أنس بن مالك: "قَدِم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة، فأخذني أبو طلحةَ - زوجُ أمّه - وقال: يا رسول الله، هذا أنَس رجلٌ لبيب لِيَكن خادمًا لك، قال: خدَمتُه حَضرًا وسفرًا، فما قال لي لشيءٍ فعلتُه: لمَ فعلتَه؟ ولا لشيءٍ لم أفعَله: لمَ لَم تفعله؟" [7]، قال: "فوالله، ما مسَّت يدي خزًّا ولا حريرًا أنعم مِن يدِ رَسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا شَمَمتُ مسكًا ولا عطرًا قطُّ أطيب مِن ريح عَرَق النبيّ- صلى الله عليه وسلم –" [8]، فصلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدين.
فعلى المسلِمِ أن يتّقيَ الله في تعامُلِه مع الآخرين، وأن يكونَ الصّدق والأمانة خُلُقَنا وشعارًا لنا؛ لأنّا نحن - المسلمين - يجِب أن نمثِّلَ ديننا في أقوالنا وأعمالنا.
أيّها المسلم، أيّها المؤمن، هؤلاء العمّال الذين أَتَونا مِن أقطار الدنيا قد يكون عندَ بَعضِهم جهلٌ أو مخالَفة أو سوءُ فهم، فلِماذا لا يَستغِلّ المسلم هذه الفرصةَ ويدعو إلى الله ويوضح الحق؟ فلعلّ أولئك أن يرجِعوا بخيرٍ مما جاؤوا، ولعلّهم أن يتزوَّدوا عِلمًا وعملاً، فمن دعا إلى هدًى كان له مِن الأجرِ مِثلُ أجور مَن تَبِعه، مِن غيرِ أن ينقصَ ذلك منه شيئًا. فاستغلَّ وجودَ هؤلاء؛ علِّم الجاهل وبصِّره وعلِّمه، وأيقِظه من غَفلَتِه، اهدِه لأداء الواجِبات، وأوضح الواجبات والفرائضَ، وبيِّن له المحرَّمات، وأدِّبه بالأدبِ الإسلاميّ، ولتكُن قدوةً له، يراك تصلّي، ويراك تفعَل الخيرَ، ويسمع منك الكلماتِ الطيبة، ويرى تربيةَ أولادك وتربيةَ بناتك وزوجاتِك على الأخلاق الكريمة، فيستفيد منك خُلقًا جمًّا وعملاً طيّبًا، أمّا أن يراك على خلافِ الحقِّ، وعلى خلافِ الهدى؛ فإنّه يسيء الظنَّ بك وبأمّتك.
فلنكن - إخواني - دعاةً إلى الخير بأقوالِنا وأعمالِنا وقدوَتِنا الصالحة، أسألُ الله لي ولكم التوفيق والسدادَ والعونَ على كلّ خير، إنّه على كلّ شيء قدير.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33].
بارَك الله لي ولكم في القرآنِ العَظيم، ونفَعني وإيّاكم بما فيهِ منَ الآياتِ والذّكر الحكيم، أقول قولي هذَا، وأستغفِر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائِر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحِبّ ربنا ويرضَى، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ لَه، وأشهَد أنّ محمَّدًا عبده ورَسوله، صلّى الله عليه وعلَى آله وصَحبه، وسلّم تَسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين.
أمّا بعد: فيأيّها النّاس، اتَّقوا الله – تعالى - حقَّ التقوى.
عبادَ الله، خلُق المؤمنين في سرِّهم وفي علانيّتهم فيما يتناجَونَ به، وفيما يظهِرونه ويعلِنونه - خلُقُهم التعاوُنُ على البرِّ والتقوى، قال - تعالى -: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]. المؤمِن حقًّا يغار على دينِه، ثمّ يغار على أمّتِه ومجتمعه. المؤمِن حقًّا لا يرضى أن يكونَ داعيًا للضّلال، ولا ناشرًا للخطأ، ولا سانًّا في الأمّة سنّة سوء، ((مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)) [9].
أيّها المسلم، إنّ المؤمنَ يتناجَى بالخيرِ ويظهِر الخير، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المجادلة: 9].
إنّ منتدياتِنا ومجتمعاتِنا يجب أن تتحَلَّى بالأخلاقِ الكريمة والصّفات الحميدة، وأن تحترِمَ ثوابتَ الأمة وقِيَمَها وأخلاقها، وأن لا تنطلقَ بلا زِمامٍ ولا خِطام لتنشُر رَذيلة، أو تعالج قضَايَا الأمّة على خِلاف كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم. إنَّ قضايا المجتمعِ المسلم لا يحلُّها إلاّ كتابُ ربِّنا وسُنَّة نبيِّنا، {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3].
فيأيّها المسلم، ويا مَن يقوم على أيِّ منتَدى من منتَدَيات الأمّة، تَقوَى الله وصِيّةُ الجميع، والحِرص على المحافظةِ على الخلُق والقِيَم والفضائل، وأن لا تكونَ منتدياتُنا منطلَقًا لتحلُّلٍ من القِيَم والأخلاق، ولا لدعوةٍ إلى الرذيلةِ والفساد، ولكِن لنتّقِ الله في أنفسِنا، فالله سائلٌ كلَّ فرد عمّا تولَّى، والله محاسِبٌ كلاًّ منّا على ما عمِل، فليتَّقِ المسلم ربَّه، وليراقِبِ الله قبلَ كل شيء، فإنّ المؤمن إذا انطَلَقت أعمالُه مِن إيمان صادقٍ، من إيمانٍ خالِص، من قلبٍ مليء بالإيمان واليقين؛ كانت التصرّفاتُ تصرّفاتٍ صالحة، ولكن المصيبة إذا ابتُلِي قلبه بالمرض، وظنَّ أنَّ التجَرّدَ من الفضائلِ والقِيَم عنوانُ الرّقيِّ والتقدّم، وعنوان كذا وكذا، فانطلَق بلا مبالاةٍ وبلا خَجَل، في أنديةٍ قد تكون أحيانًا منتدًى لشرٍّ وبلاء.
فليتّقِ المسلمون ربَّهم، وليراقبوا الله في أحوالهم كلِّها، وليعلموا أن الله مطَّلع على السرائرِ والضمائر، {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19] لا يخفى عليه شيءٌ من أحوالِ عِباده، وسيجازِيهم ويحاسبهم على كمال عِلمه بهم. فليتّقِ العباد ربَّهم، وليراقبوا ربَّهم، ولتكن أمورُهم منطلِقة من محافظةٍ على هذا الدين، وعلى قِيَمِه وفضائله، وعلى أخلاقِه الكريمة وصفاته الحميدة، التي بعَث الله بها محمّدًا عبدَه ورسولَه، بعثَه بالهُدَى ودين الحقّ، بعثه بما يسعِد البشريّةَ في دنياها وآخرتها، فلا خيرَ إلا دلَّنا عليه وبيَّنه لنا، ولا شرَّ إلا بيَّنه لنا وحذَّرنا منه، صلوات الله وسلامة عليه، فأيّ منتدًى وأيّ مجتمع لا تحكُمُه شريعة الله، ولا ينطلِق من منطلَقِ الإسلامِ الصحيح؛ فإنّه يُخشَى على أهله من زيغِ القلب والعياذ بالله، فنسألُ الله للجميعِ الثّباتَ على الحقّ، والاستقامةَ على الهدى، إنّه على كلِّ شيءٍ قدير.
واعلَموا - رحمكم الله - أنّ أحسَنَ الحديثِ كتابُ الله، وخير الهديِ هَدي محمَّد صلى الله عليه وسلم، وشرّ الأمورِ محدثاتها، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وعَليكم بجماعةِ المسلِمين، فإنّ يدَ الله على الجماعة، ومَن شذَّ شذَّ في النّار.
وَصَلّوا - رحمكم الله - علَى عبد الله ورسوله محمّد - صلى الله عليه وسلم - كَما أمَركم بذلك ربّكم، قال – تعالى -: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك عَلَى عبدِك ورَسولِك محمّد، وارضَ اللَّهمّ عن خلَفائه الراشدين.

ــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه مسلم في البر (2577) عن أبي ذر رضي الله عنه.
[2] أخرجه ابن ماجه في كتاب الأحكام، باب: أجر الأجراء (2443)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (744) من طريق عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما، وهذا سند ضعيف من أجل عبدالرحمن بن زيد؛ لكن للمتن شواهد من حديث أبي هريرة وجابر وأنس - رضي الله عنهم - لا يخلو كل منها من ضعف، قال المنذري في "الترغيب" (3/58): "وبالجملة فهذا المتن مع غرابته يكتسب بكثرة طرقه قوة، والله أعلم"، وقد صححه الألباني في "الإرواء" (1498)، وانظر: "نصب الراية" (4/129).
[3] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب: المعاصي من أمر الجاهلية (30)، ومسلم في كتاب الأيمان، باب: إطعام المملوك... (1661) عن أبي ذر رضي الله عنه.
[4] أخرجه مسلم في كتاب الأيمان (1659).
[5] حديث الثلاثة الذين أطبقت عليهم الصخرة في الغار، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم - أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3465)، ومسلم في الذكر (2743) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
[6] أخرجه البخاري في كتاب الإجارة، باب: إثم من منع أجر الأجير (2270) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[7] أخرجه البخاري في كتاب الوصايا (2768)، ومسلم في كتاب الفضائل (2309) نحوه.
[8] أخرجه مسلم في كتاب الفضائل (2330) بمعناه.
[9] أخرجه مسلم في كتاب الزكاة (1017) عن جرير بن عبدالله رضي الله عنه.

اتحاد العمال : مشروع قانون العمل الجديد يعني تطبيق مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين" :


عمال : مشروع القانون يؤثر سلبا على العمال ويخدم أرباب العمل
أرباب العمل : المشروع خطوة ايجابية وسيؤثر على الإنتاج كما ونوعا
قال الاتحاد العام لنقابات العمال إن مشروع قانون العمل الجديد يعني تطبيق مبدأ العقد شريعة المتعاقدين, وهي إطلاق يد رب العمل في الاستخدام وإنهاء علاقة العمل مقابل ضمانات قانونية من خطر التسريح التعسفي,
فيما أشار مواطنون أن أرباب العمل هم المستفيدون من مشروع هذا القانون, في حين وصف صناعيون وتجار هذا المشروع بـ "الايجابي".
وكان مجلس الوزراء اصدر أمس الأحد مشروع قانون العمل الجديد, وذلك بعد 4 سنوات على بدء بعملية إعداده في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل, وسط خلاف بين الوزارة وغرف الصناعة من جهة, والاتحاد العام لنقابات العمال من جهة أخرى.
وقال أمين التشريع والشؤون القانونية في اتحاد نقابات العمال محمد فايز البرشة لسيريانيوز إن "قانون العمل الجديد في النسخة الأخيرة التي اطلعنا عليها في أيار الماضي تتضمن آلية محددة لفض نزاعات العمل الفردية, جوهرها النص على إحداث محاكم بداية مختصة بفض النزاعات قراراتها قابلة للطعن أمام محاكم الاستئناف".
وأضاف البرشة أن "المحكمة تتآلف من قاضي ومساعد قاضي يسميه الاتحاد العام لنقابات العمال, وآخر تسميه غرف التجارة والصناعة والزراعة", لافتا إلى أن "قرار تشكيل المحكمة يصدر من وزير العدل".
ويلجأ العامل لهذه المحكمة إذا شعر بالغبن أو التعسف أو الظلم فهي تشكل الآلية القانونية لحماية العامل من أخطار التسريح التعسفي أو التعدي على الحقوق وانتقاصها.
ولفت البرشة إلى أن "مشروع قانون العمل الجديد اوجب رب العمل في حال تسريح احد العاملين لديه تسريحا تعسفيا بتعويض مالي للعامل قدره أجرة شهرين عن كل سنة خدمة".
وقال برشة إن "مشروع القانون تضمن العديد من المزايا والايجابيات والمكتسبات مثل حق الزيادة الدورية للأجر والحق في الانتساب لنقابات العمال والحرفية, وإحداث مجلس وطني للأجور يقوم بشكل دوري بزيادة الأجور دوريا, وبالإضافة إلى أحكام تنص على تفتيش العمل والصحة والسلامة المهنية والتدرج وغيرها".
وتضمن مشروع قانون العمل الجديد عدم الاعتداد بالاستقالات المسبقة وبراءة الذمة المسبقة ما لم تكن موقعة من العامل أمام المديرية المختصة, كما تضمن الحد الأدنى لحقوق العمال فيما يخص الطبابة العمالية والوجبة الغذائية ونقل العاملين إلى أماكن عملهم في حالات محددة.
كما تضمن مشروع القانون إصدار عقد عمل نموذجي استرشادي يتضمن الحقوق والواجبات بين فريقي العقد والقضايا التي يجب أن يتضمنها العقد.
ولفت أمين التشريع والشؤون القانونية في الاتحاد إلى أن "مشروع القانون تضمن العديد من المزايا والمكاسب العمالية الهامة", مضيفا أن "القضية الآن تكمن في تمكين العامل من استخدامه للحقوق والمزايا الممنوحة, وكيفية تطبيق الجهات صاحبة العلاقة هذا القانون بعد صدوره خاصة أن العامل هو الطرف الأضعف في علاقة العمل وهو المعرض لفقدان فرصة العمل لأي سبب".
يشار إلى أن مشروع قانون العمل الجديد سيتم تحويله إلى مجلس الشعب لمناقشته, وإقراره ومن ثم تحويله إلى رئيس الجمهورية لإصداره بشكل نهائي ليصبح قانونا نافذا, إلا انه يأخذ عدة أشهر قبل بدء الشروع بتطبيقه لحين صدور التعليمات التنفيذية لهذا القانون.
الخلاف حول القانون أخر صدوره
تأخر صدور مشروع قانون العمل الجديد بسبب الخلافات بين اتحاد غرف الصناعة ووزارة الشؤون الاجتماعية من جهة, والاتحاد العام لنقابات العمال من جهة أخرى.
وقال البرشة إنه "بدأ إعداد مشروع قانون العمل الجديد في عام 2004 من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ومن ثم عرضه على أطراف الإنتاج الممثلين بالاتحاد العام لنقابات العمال وأرباب العمل لإبداء رأيهم به", بينما هناك تجارب أخرى في العالم تم من خلالها إعداد قانون العمل على توافق مسبق على نصيحة القانون واتجاهاته, أي انه لم يدع ممثلي العمال وأرباب العمل في إعداد القانون وتركت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الأمر للجنة فنية متخصصة.
وأضاف البرشة انه عقد في السنوات الأربع الماضية عدة اجتماعات ما بين اتحاد العمال ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وما بين الوزارة وأرباب العمل لمناقشة المشروع", لافتا إلى انه "تم التوافق بنهاية عام 2007 على عدد من القضايا الواردة في مشروع القانون, والاختلاف على بعضها الآخر, ومنها موضوع إحداث مكاتب لتوريد العمالة داخل سورية, حيث رأى اتحاد العمال أن في ذلك تشتيت لعلاقة العمل في البلاد وإدخال السمسرة بين العامل ورب العمل".
وأشار أمين التشريع والشؤون القانونية في الاتحاد إلى أن "الموضوع الخلافي الآخر, كان عدم وجود أي حماية قانونية في متن المشروع للعامل من أخطار التسريح التعسفي باعتبار أن المشروع في ذلك الوقت ألغى الحماية القانونية المتمثلة في لجان قضايا التسريح ولم يضع بديلا لذلك, وأعطى مطلق العمل لرب العمل بتسريح العمال".
ولفت البرشة إلى انه "في أواخر 2008 تم التوافق على ضرورة صدور قانون العمل الجديد, ورأى الاتحاد أن مشروع القانون يجب أن يقوم على قاعدة متوازنة من الحقوق والواجبات وان يحفظ الحقوق المكتسبة للعاملين, وان يوجد نوع من الآلية القانونية الحمائية للعاملين من إخطار التسريح التعسفي", مضيفا أن "القيادة السياسية تدخلت لإخراج مشروع القانون من المأزق الذي وصل إليه حيث وضع صيغ توفيقية للقضايا المختلف عليها وتم بنتيجة ذلك حذف الأحكام المتعلقة بمكاتب التوريد بمشروع القانون كما تم النص على آلية محددة لفض نزاعات العمل الفردية".
مواطنون: مشروع القانون يؤثر سلبا على العمال
قالت سلاف تعمل في القطاع الخاص إنها "مع أي قانون يضمن حقوق العمال في القطاع الخاص", معتبرة أن "إصدار القانون أمر ايجابي, إذا تم تنفيذه".
وأضافت سلاف أن "هناك آلاف العمال في القطاع الخاص يوقعون على عقد عملهم واستقالتهم من العمل بنفس الوقت", لافتة إلى أن "بعض أصحاب المؤسسات والمنشات في القطاع الخاص يستغلون حاجة المواطنين للعمل خاصة مع ارتفاع أعداد العاطلين عن عمل, للحصول على تنازلات من العمال".
بدوره, قال خالد يعمل في قطاع السياحة إن "مبدأ العقد شريعة المتعاقدين سيؤثر بشكل كبير على العمال خاصة مع ارتفاع معدلات البطالة وطبيعة سوق العمل", لافتا إلى أن "هذا سيؤدي إلى إعطاء رب العمل ميزات أكثر, فيما يخص توقيع العقود وشروطها".
ولفت خالد إلى أن "هناك ايجابيات في مشروع قانون العمل الجديد فيما يتعلق بالتسريح التعسفي والاستقالات وغيرها", لافتا إلى أن "المهم من هذا القانون كيفية متابعة هذه الأمور للمحافظة على حقوق العمال".
بدوره, قال محمد يعمل في مجال الإعلام في القطاع الخاص إن "قيام مشروع قانون العمل الجديد على مبدأ العقد شريعة المتقاعدين سيجعل أرباب العمل متحكمين بعقود العمل لأنهم الطرف الأقوى", لافتا إلى انه "مع ارتفاع نسبة البطالة يبقى لأرباب العمل المجال للانتقاء, بينما يقبل العاطلون عن العمل بأي شروط مقابل كفاف يوم".
صناعيون وتجار: مشروع القانون الجديد خطوة ايجابية
قال عضو غرفة تجارة دمشق نزار القباني لسيريانيوز إن مبدأ العقد شريعة المتعاقدين مبدأ فقهي قانوني شرعي ونحن مع تطبيق هذا المبدأ وكنا نطالب بتطبيقه", واصفا عقود العمل السابقة بعقود إذعان".
وأضاف القباني انه "في العقود العمل المعمول بها بموجب القانون رقم 91 لعام 1959 كان لا يستطيع رب العمل أن يسرح العامل بعد مضي سنة على عمله وكان بعض العمال يستفيدون من هذا الوضع الأمر الذي كان له تأثير كبير على إنتاجهم وبالتالي على الصناعة", لافتا إلى أن مشروع القانون الجديد سينعكس إيجابا على الإنتاج كما وكيفا".
وفيما يخص اعتبار اتحاد العمال أن مبدأ العقد شريعة المتعاقدين له تأثير سلبي على العمال, قال عضو غرفة تجارة دمشق إن "هذا الكلام غير دقيق وفيه تجني", لافتا إلى أن "العلاقة مع العمال لديهم علاقات جيدة وهناك علاقات اجتماعية مع العمال".
من جهته, قال الصناعي عدنان دخاخني لسيريانيوز إننا "لم نطلع بعد على مشروع قانون العمل الجديد ولكن مبدأ العقد شريعة المتعاقدين الذي يتضمنه القانون يعتبر خطوة ايجابية لتحسين العلاقة ما بين الطرفين العمال وأرباب العمل, الأمر الذي سينعكس على الإنتاج".
وفيما يخص إحداث محاكم بداية للنظر في الظلم الذي يقع على العامل, قال دخاخني إن هذا الإجراء سيكون له تأثير ايجابي, وسيسرع من حل النزاعات بين العمال وأرباب العمل في حال حدوثها.
هيثم جودية ـ سيريانيوز